محمد هادي معرفة
47
التمهيد في علوم القرآن
والثاني : أن المعجز : هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان ، كإحياء الموت وإبداع الأجسام . فأما ما كان نوعه مقدورا ، فمحلّه محل الأفضل وما كان من باب الأفضل في النوع فإنه لا يحسم نسبة ما دونه إليه . وإن تباعدت النسبية حتى صارت جزء من ألف ، فإن النجار الحاذق وإن لم يبلغ شأوه لا يكون معجزا إذا استطاع غيره جنس فعله ، فنقول وباللّه التوفيق : إن الإعجاز في القرآن على وجهين : أحدهما : إعجاز متعلق بفصاحته ، والثاني : بصرف الناس عن معارضته . فأما الإعجاز المتعلّق : بالفصاحة : فليس يتعلّق ذلك بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى ، وذاك أنّ ألفاظه ألفاظهم ، ولذلك قال تعالى : قُرْآناً عَرَبِيًّا « 1 » وقال : ألم ذلِكَ الْكِتابُ « 2 » تنبيها أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي مادّة الكلام . ولا يتعلّق أيضا بمعانيه ، فإن كثيرا منها موجود في ( الكتب المتقدمة ) ولذلك قال تعالى : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ « 3 » وقال : أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى « 4 » . وما هو معجز فيه من جهة المعنى ، كالإخبار بالغيب ، فاعجازه ليس يرجع إلى القرآن بما هو قرآن ، بل هو لكونه خبرا بالغيب ، وذلك سواء كونه بهذا النظم أو بغيره ، وسواء كان موردا بالفارسية أو بالعربية أو بلغة أخرى ، أو بإشارة أو بعبارة . فإذا بالنظم المخصوص صار القرآن قرآنا ، كما أنه بالنظم المخصوص صار الشعر شعرا ، والخطبة خطبة . فالنظم صورة القرآن ، واللفظ والمعنى عنصره ، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره ، كالخاتم والقرط والخلخال اختلفت أحكامها وأسماؤها
--> ( 1 ) يوسف : 2 . ( 2 ) البقرة : 1 - 2 . ( 3 ) الشعراء : 196 . ( 4 ) طه : 133 .